عبد الوهاب الشعراني
291
الطبقات الكبرى ( لواقح الأنوار القدسية في مناقب العلماء والصوفية )
ويسوءها حتى ترجع مطيعة له فإنها هي العقبة التي تعبد اللّه الخلق باقتحامها وهي حجاب العبد عن مولاه وما دام لها حركة لا يصفو الوقت ما دام لها خاطر لا يصفو الذكر وبقاء النفس هو الذي صعب على العلماء الإخلاص في تعليمه . فإن النفس إذا استولت على القلوب أسرتها وصارت الولاية لها فإن تحركت تحرك القلب لها وإن سكنت سكن من أجلها وحب الدنيا والرياسة لا يخرج قط من قلب العبد مع وجودها فكيف يدعي عاقل حالا بينه وبين اللّه عز وجلّ مع استيلائها ، أم كيف يصح لعابد أن يخلص في عبادته وهو غير عالم بآفاتها فإن الهوى روحها والشيطان خادمها والشرك مركوز في طبعها ومنازعة الحق والاعتراض عليه مجبول في خلقتها ، وسوء الظن وما ينتج من الكبر والدعوى وقلة الاحترام سيمتها ومحبة الصيت والاستهتار حياتها ويكثر تعدد آفاتها وهي التي تحب أن تعبد كما يعبد مولاها وتعظم كما يعظم ربها فكيف يقرب عبد من مولاه مع بقائها ومصالحتها ومن أشفق عليها لا يفلح أبدا ، فيجب على الصالح أن كل ما تمقته النفوس يعانقه وكل ما تميل إليه يفارقه ويقبل من الذامين ذمهم فيه ويقول : للمادحين ما مدحتموه من وراء حجاب ويقول : لنفسه في كل نفس لا قرب اللّه مرادك وأبعد مرامك فنعوذ باللّه من أرض ينبت فيها نزاهة النفوس ، فإن من لمح نزاهتها ورأى لها قدرا أو علم أن في الوجود أخس من نفسه فما عرف نفسه فكيف ينزهها أو يغضب لها أو يؤذي مسلما لأجلها فيجب اجتنابها كالسم وما دامت في وجه القلب لا يصل إلى القلب خير لأنها ترس في وجهه وكلما قويت على القلب زاد شره ونقص خيره وما بقي منها بقية فالشيطان لا ينعزل عنها والخواطر المذمومة لا تنقطع منها . وكان رضي اللّه عنه يقول : يجب على السالك ألا يشتغل بالكلية بمقاومة نفسه فإن من اشتغل بمقاومتها أوقفته كما أن من أهملها ركبته بل يخدعها بأن يعطيها راحة دون راحة ثم ينتقل إلى أقل من ذلك ، ومن قاومها وصار خصمها شغلته ومن أخذها بالخدع ولم يتابع هواها تبعته . وكان رضي اللّه عنه يقول : إذا لبست النفس على مريد حالها وادعت الترك للدنيا وأن عملها وعلمها وتعليمها خالص للّه تعالى فيجب عليه أن يزنها بالميزان التي لا تنخرم والمعيار الذي لا يظلم وهو تصوير ذمها بعد مدحها وردها بعد قبولها والإعراض عنها بعد الإقبال عليها وذلها بعد عزها وإهانتها بعد إكرامها فإن وجد عندها التغير